قطب الدين الراوندي
238
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
وأغرق لكم بالنزع : أي استوفى في مد القوس للرمي نحوكم ، يقال : أعرق النازع في القوس أي بالغ ونزع في القوس مدها . ورماكم من مكان قريب : أي يوسوس إليكم ويدعوكم إلى ذنب يقرب من شهواتكم ، ونحوه قول النبي صلى اللَّه عليه وآله « ان الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم » ( 1 ) . وجاء في الأثر : ان الشيطان يوسوس فإذا ذكر الغدر به خنس ، أي انقبض وتأخر ، فإذا لم يذكر انبسط ( 2 ) . وقوله « قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ » ( 3 ) أي قال إبليس : رب بما أغويتني ، مثل قولك فبعزتك في أنه اقسام ، إلا أن أحدهما اقسام بصفته والآخر اقسام بفعله . ويجوز أن لا يكون قسما ، ويقدر قسم محذوف ويكون المعنى بسبب يستقل لاغواي أقسم لأفعلن بهم ما فعلت بي من السب لاغوائهم ، بأن أزين لهم المعاصي وأوسوس إليهم ما يكون سبب هلاكهم . وفي الأرض : أي في الدنيا ، أراد أني أقدر على الاحتيال لآدم والتزبين له الأكل من الشجرة وهو في السماء ، فأنا على التزيين لأولاده في الأرض أقدر . وأراد لاجعلن مكان التزيين عندهم الأرض ، ولا وقعن بزينتي فيها ، أي لازيننها في أعينهم حتى يستحبوها على الآخرة .
--> ( 1 ) راجع البحار 14 - 633 ط الكمباني . ( 2 ) أنظر البحار 14 - 614 ط الكمباني . وراجع في التفاسير تفسير سورتي المعوذتين . ( 3 ) سورة الحجر : 39 .